من أنا

صورتي
السعودية
للقراءة الهادفة في كل المجالات طعم مميز ..وللشعر العربي القديم معزة خاصة .

الخميس، 6 يونيو 2013

مقالات من كتاب كلمة وكلمتين ..3

ألف كلمة
ساجد العبدلي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيدي ميرفي أحد أشهر ممثلي الكوميديا في هوليود، فلهذا الممثل الأسمر سجل حافل بالعديد من الأفلام والمسلسلات التي كثيراً ما كانت تدور حول فكرة إنسانية ما، بسيطة في الغالب، لتنسج حولها قصة وأحداثا ظريفة ومضحكة، وطبعا ليست كل أفلامه جيدة وتستحق المشاهدة، بل هناك من سيقول إن أغلب أفلامه رديئة. على كل حال هذه قصة أخرى.
ما أريد الحديث عنه الآن هو أني شاهدت له أخيراً فيلماً جديداً اسمه “ألف كلمة”، تدور قصته حول ناشر كتب، يقوم بدوره ميرفي نفسه، يجد نفسه وقد ارتبط مصيره بمصير شجرة سحرية نبتت فجأة في باحة منزله، حيث يكتشف أن الشجرة تفقد من أوراقها كلما تكلم بعدد الكلمات التي ينطقها أو حتى يكتبها، وأنها مع فقدانها للمزيد من الأوراق فإنها تقترب من نهايتها، ويقترب هو أيضا بدوره من نهايته، وتستمر عجلة الأحداث الظريفة في فيلم “ألف كلمة” في الدوران مع معاناة البطل ميرفي للتواصل مع الآخرين من خلال إشارات اليد فقط والتي يتخللها الكثير من المواقف المضحكة، ليفقد خلال تلك الأحداث فرصا كثيرة في عمله وتهجره زوجته، مع استمرار فقدان الشجرة لأوراقها شيئاً فشيئاً وهو يكابد ويحاول الخلاص من الأمر!
لن أحرق الفيلم على من يودون مشاهدته، ولكن سأكتفي بالقول بأن الشجرة تعود فتخضر من جديد في النهاية بعدما يصل ميرفي إلى قول الكلمات الذهبية التي كانت تنتظرها الشجرة مع سقوط آخر ثلاث ورقات منها.
بعدما شاهدت الفيلم منذ أيام لمع في ذهني بعدها مباشرة بأن كل إنسان منا ليس في الحقيقة سوى مجموعة من الكلمات والأفعال عبر سنوات عمره التي قد تطول أو تقصر. ودعونا نركز في هذه المقالة على الكلمات فقط.
كلمات الإنسان التي إما أن يقولها أو يكتبها، في كل مكان وأي مكان كان، إما أن تكون سبباً في سعادته أو سبباً في شقائه، إما أن ترتقي به عاليا أو على النقيض من ذلك تماماً ترديه في مكان سحيق، فرب كلمة قادت صاحبها إلى قمة شامخة وأخلدت ذكره الطيب بين الناس، ورب كلمة ألقت به في هاوية ليس لها قرار لا يتردد فيها إلا صدى ذكره مقرونا بالخزي والعار.
يتحدث الواحد منّا طوال الوقت ولا يبالي ولا يكترث، متناسياً أن كل كلمة تخرج منه محسوبة ومرصودة بدقة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، حيث يقول المولى عز وجل: “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”، وجاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: “وهل يكب الناس في جهنم على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم”، وكذلك قال: “إنك لن تزال سالماً ما سكت، فإن تكلمت كتب لك أو عليك”.
كلمات المرء التي تخرج منه طوال حياته أشبه ما تكون بأوراق نقد يستمر في إنفاقها في الدنيا ليجد أثرها بعد مماته في الآخرة، فإما أن يجدها وقد أينعت كينع أوراق أشجار بستان جميل في الجنة، وإما أن يجدها وقد حجزت له مقعداً في جهنم والعياذ بالله!
الكذب والغيبة والنميمة والكلام الفاحش والبذيء والكلام الفظ الغليظ والجارح لنفوس الناس، سواء القريب منهم أو البعيد، كلها من آفات اللسان التي تكاد لا تفارق مجالسنا وشوارعنا وبيوتنا ومقار أعمالنا اليوم، والناس في غفلة عن أنها كأوراق تلك الشجرة التي تتساقط، وأنهم حين يتلفظون بها أو يكتبونها يتساقط رصيدهم إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة ولا شك.
الكلام سهل جداً، لذلك كان هو مكمن الخطورة العظمى على مصير الإنسان في دنياه وآخرته، ولهذا جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: “رب كلمة لا يلقي لها الرجل بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً”، وكذلك يوم سأله أحد الصحابة قائلاً: “ما أشد ما تخاف علي؟ قال عليه الصلاة والسلام: هذا، وأخذ بلسانه”. فلنحاذر ولننتبه لآفات اللسان حتى لا تسقط كل أوراق الشجرة وتموت!
 
لأنكم سبائك الذهب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البحث عن الذهب ليس بالمهمة السهلة كما قد يظن بعض الناس، فالذهب لا يوجد مرمياً بين الجبال أو في البراري مسكوكاً في سبائك أو عملات مبذولة لمن يلتقطها، وإنما يتكون في الطبيعة عروقاً وشذرات صغيرة تختبئ في قلوب الصخور، لتحتاج إلى تنقيب عميق وجهد مضنٍ لاستخراجها، ومن ثم نقلها إلى الأفران حيث يتم تعريضها لدرجات حرارة عالية وقاسية تصهرها وتذيبها فتنقيها من الشوائب، ومن ثم يصب السائل الذهبي النقي في قوالب ليبرد فيها على مهل ويصبح في نهاية المطاف سبائك تعادل أغلى الأثمان. أحبتنا أنتم سبائك الذهب في أعمارنا. خبأتكم لنا الأقدار أشهراً وسنواتٍ ثم أظهرتكم في لحظات فارقة من أيامنا عروقاً وشذرات مزروعة في قلوب التحديات والصعاب والظروف العنيدة، فكابدنا حرارتها سوياً، وتعبنا من نارها وتعبتم، وشقينا من لهيبها وشقيتم، وتألمنا وهي تنتزع الراحة وهدوء البال من أيامنا وتألمتم، تماماً كمعاناة ذلك الذهب الذي ينتزع من قلوب الصخور ثم يصهر ويذاب في تلك الأفران المشتعلة.
أحبتنا سبائك الذهب. لم يكن ممكناً أبداً أن نخلص بكم سبائك صافية نقية غالية وأن تخلصوا بنا لولا مواجهة هذه الآلام ودون هذه المعاناة. لم يكن لنا أبداً أن نصل بكم ومعكم إلى حيث مرافئ الراحة والسعادة والثقة والاطمئنان لولا الإبحار على امتداد الأمواج العاتية لكل هذه الظروف العسيرة والتحديات المضنية.
أحبتنا سبائك الذهب. شرارات الاخوة قد تقدح بين الناس بسهولة والنار قد تشتعل، ولكن ليس من اليسير أبداً أن تظل مشتعلة على مر الزمان كي يمدهم بالدفء والنور دون أن يمدوه في المقابل بالوقود. النار تحتاج إلى وقود الرعاية والعناية والاهتمام والعطاء والتمسك والتغافل عن الزلات والصفح والتسامح والتسامي حتى تظل مشتعلة دافئة وضاءة. ووقودها يستخلصه المحبون من أرواحهم وأنفسهم وأحاديثهم الحانية وطاقاتهم المبذولة وجهدهم المعطى.
أحبتنا سبائك الذهب. ليس ثميناً ما يمكن الحصول عليه بسهولة، وليس ثميناً ما يكون التفريط فيه بسهولة، وليس ثميناً ما لا يستحق المعاناة والبذل والعطاء والتضحية. وأنتم من لم نفز بهم بسهولة، ولأجل الوصول إليكم أرخصنا الغالي والنفيس وقدمنا كل معاناة وعطاء وتضحية، وما كنا بعدها لنفرط فيكم أبداً.
أحبتنا، هذا هو الحب الذي نعرف، وهذه هي الحقيقة التي بها نؤمن، وهذا هو المقياس الذي به نزن الأمور، وأنتم من سنظل نتمسك بهم أبداً، لأنكم بكل بساطة ثروتنا الأغلى، فأنتم سبائك الذهب!

هناك 4 تعليقات:

  1. الاخت زهور الريف ..اشكرك على اختيارك الموفق فن كتاب ساجد العبدلي....ان الانسان هو مجموعة من الافكار والاقوال والاعمال...!! فان صلحت كان مثل سبائك الذهب!!!وان طلحت كان مثل سبائك النحاس ..ليس لها قيمة.....جميل ما تختاري لنا..تقبلي احترامي اخيك......البحر

    ردحذف
  2. الشكر على حضورك الراقي اخانا الفاضل
    ولاضافتك القيمة ..
    يبقى الذهب من انفس الثروات ..وفي الناس اعمق واكبر
    دمت بخير

    ردحذف
  3. اختى المخلصه الوفيه زهورى
    السلام عليكم
    احيكى فانتى انسانه من الذهب والالماظ لنقائك وصدق احساسك لما كنتى اخترتى هذه السلسه الذهبيه دمتى بالخير والسعاده التى تمنحيها الى الغير شكرا لكى وادعى لى ان يحضر الحفيد المنتظر بخير وسلامه

    ردحذف
  4. اهلا ياغالية يانقية

    حقيقي كلامك كبير والعفو اختي انما لمثلك احب ان تقرأ وتطلع على مااراه راقيا ومفيدا وجديدا ..والناس شرائح من فضة ونحاس واغلاهم من ذهب خالص
    كأنتي عزيزتي وعدد من الاخوات الفاضلات هنا وان كان عالما افتراضيا ... اتمنا ان يجمعنا الله في الدنيا قبل الاخرة ...لك شكري الجزيل .
    ويارب يوصل الحفيد المنتظر ويملا الدنيا فرح وهنا وشقاوة .
    وتكون صورته على مكتبك . ياااارب واعزمينا على السبوع رجااااءا

    ردحذف