من أنا

صورتي
السعودية
للقراءة الهادفة في كل المجالات طعم مميز ..وللشعر العربي القديم معزة خاصة .

الجمعة، 17 مايو 2013

مقــالات من كتــاب كلمـة وكلمتيـن ..2

 
مختارات من كتاب كلمة وكلمتين

فتش عن الطفل في نفسك!
................................
وجدت القصة التالية منذ أيام على شبكة الإنترنت، وشاركت بها العديد من أصدقائي ومعارفي، لأنها فعلا قصة جميلة مؤثرة، دفعتني إلى التأمل والتفكير، وأحببت أن أشارككم بها اليوم أيضا، مع بعض التصرف في صياغتها الأصلية المنشورة في مواقع الإنترنت والمنتديات.
تقول القصة بأن رجلا جلس في صباح يوم بارد في محطة قطارات الأنفاق في العاصمة الأميركية واشنطن، وبدأ يعزف على كمانه مقطوعات موسيقية لبيتهوفن، حيث عزف الرجل لمدة 45 دقيقة، مر خلالها آلاف الناس بقربه، وكان أكثرهم ذاهباً إلى عمله في زحمة الصباح.
بعد ثلاث دقائق انتبه رجل في الخمسينيات من عمره لعازف الموسيقى المنهمك بالعزف على آلته، فخفف قليلاً من مشيته، ووقف لبضع ثوان ثم تابع طريقه، وبعد لحظات حصل العازف على أول دولار رمته له امرأة في حاضنة الكمان، دون أن تتوقف ولو للحظة واحدة، وبعد بضع دقائق أخرى، استند شخص إلى الجدار ليستمع قليلا، ولكنه نظر إلى ساعته فعاد ليمشي مبتعدا، لأنه من الواضح أنه كان متأخراً عن العمل، أو عن موعد ما.

أحد أكثر الذين أظهروا اهتمامهم بالرجل كان طفلا عمره قرابة ثلاث سنوات يمسك بيد أمه ويسير بجانبها دون توقف، لكن نظره كان معلقا مع العازف، فحتى بعد ابتعادهم عن العازف ظل الطفل يسير وهو ينظر إلى الخلف، وقد حصل هذا الأمر مع العديد من الأطفال الآخرين، إلا أن جميع الآباء، ودون استثناء، كانوا يجبرون أبناءهم على السير رغم نظرات الأطفال وانتباههم لعازف الموسيقى.

بعد مضي 45 دقيقة أخرى من العزف على الكمان، كان ستة أشخاص فقط هم الذين توقفوا واستمعوا للعزف لفترة ثم انصرفوا، وقدم حوالي عشرين شخصاً المال للعازف وعادوا للسير على عجلة من أمرهم، فجمع 32 دولاراً فقط عند انتهائه من العزف، ليعمّ الصمت في محطة المترو، فلم ينتبه لذلك أحد، ولم يصفق للعازف أو يشكره أي شخص.

لم يعرف المارة أن عازف الكمان كان هو جوشوا بيل، واحد من أشهر وأفضل الموسيقيين في العالم، وقد كان يعزف إحدى أعقد المقطوعات الموسيقية المكتوبة على الكمان في العالم، حيث تقدر قيمتها بـ 3.5 ملايين دولار، وهي التي كان قد عزفها قبل يومين في قاعة مكتظة في أحد مسارح بوستون، حيث كان سعر البطاقة الواحدة 100 دولار أميركي.

عزف جوشوا بيل تلك المقطوعات الشهيرة متخفياً في محطة مترو الأنفاق كجزء من تجربة اجتماعية قامت بها صحيفة الواشنطن بوست حول الإدراك الحسي والذوق والأولويات عند البشر، وكانت الخطوط العريضة للتجربة والتساؤلات العامة التي انطلقت منها هي كالتالي:

في بيئة عامة مزدحمة وفي وقت غير ملائم؛ هل لدينا القدرة على استشعار الجمال؟ هل نعطي أنفسنا الفرصة للتوقف لتقدير الجمال؟ وهل نستطيع أن نميز ونكتشف الموهبة والإبداع في مكان غير متوقع؟

والسؤال الأهم بالنسبة إلي: إذا لم يكن لدينا الوقت للوقوف لحظة، وسماع أعظم عزف لواحدة من أجمل المقطوعات الموسيقية في تاريخ الفن، فكم من الأشياء الجميلة الأخرى التي نمر بها دون وعي، ودون أن نشعر بقيمتها، ودون أن نفيها حقها؟!

قصة مبهرة، وتجربة مثيرة، وتساؤلات إنسانية تستحق منا التوقف والتأمل فعلا، ليس فيها وفي معانيها فحسب إنما في داخل أنفسنا وذواتنا، ومنها مثلا، اهتمام الأطفال فقط بجمال العزف، فهل يا ترى يحتاج الواحد منا أن يفتش مجددا عن ذلك الطفل في داخله، حتى يعود ليرى الأشياء الجميلة من حوله؟!
                             ......................................................................
أنصت يحبك الناس..
.....................
«أنصت يحبك الناس». هذه العبارة الرشيقة الجميلة، التي لعلها قد صارت اليوم مثلاً سائراً من كثرة تردادها، هي عبارة صادقة جزلة جداً، فهي تجسد واقعاً معاشاً يمكن أن يلمسه كل إنسان، لو هو أمعن النظر في مجريات حياته الاجتماعية اليومية.

سأبدأ هذا المقال، من قمة رأسه، بسرقة سافرة لعنوان الكتاب الشهير للصديق الحبيب، محمد النغيمش: 'أنصت يحبك الناس'، وذلك من باب 'الميانة الأدبية'. والميانة الأدبية مصطلح محدث، لا أظن أن أحدا من العالمين قد أتى به قبلي، فمعروف عن الأدباء والكتاب أنهم يتحسسون كثيراً، وربما يثورون، وقد يتقاتلون، بالقرطاس والقلم، إن 'مان' أحد ما، كائناً من كان على كتاباتهم، لكنني سأغامر، متكئاً على رقة طباع أخي النغيمش وذرابة نفسه التي أعرف!
'أنصت يحبك الناس'. هذه العبارة الرشيقة الجميلة، التي لعلها قد صارت اليوم مثلاً سائراً من كثرة تردادها، هي عبارة صادقة جزلة جداً، فهي تجسد واقعاً معاشاً يمكن أن يلمسه كل إنسان، لو هو أمعن النظر في مجريات حياته الاجتماعية اليومية.
لطبيعة وظيفتي وأنشطتي التي يدور أغلبها في دائرة التعامل المستمر مع الأنماط المختلفة من البشر، ألتقي يومياً بعشرات الناس، ولم أجد في تعاملي معهم حتى الساعة ما هو أكثر تأثيراً وملامسة للقلوب، من الإنصات الجيد لهم، وإشعارهم بالاهتمام الحقيقي بما يقولونه ويطرحونه، حتى لو لم أستطع أن أقدم لهم في نهاية المطاف حلاً شافياً لما قد يتساءلون عنه، بل يكفي الواحد منهم ذلك الشعور بأن هناك طرفا آخر قد منحه من وقته ولو بضع دقائق للإنصات، والتفاعل مع ما قاله. والعكس صحيح أيضاً، فلا شيء يستفز الناس ويثير نفوسهم تجاه الإنسان، أكثر من إحساسهم بتجاهله لهم حين يتحدثون إليه، أو انشغاله عنهم بشيء آخر، فهذا يرسل لهم الإشارة بأنه غير مهتم بهم، أو لعله يتعالى عليهم!
وأذكر يوم كنت طبيباً متدرباً في أحد المستشفيات الحكومية، كيف أن كثيراً من المرضى كانوا يحرصون على مراجعة طبيب بعينه، وهو ليس الأعلى شهادة أو الأعمق في التخصص، وينصرفون في أحيان كثيرة عن الطبيب الاستشاري الكبير، وذلك لأن لهذا الطبيب الجديد روحاً خفيفة، وحرصاً كبيراً على الإنصات لهم وإعطائهم الفرصة للتعبير عما يجول في خاطرهم في أثناء شرحهم لمشكلاتهم الصحية، على عكس الاستشاري الذي كان لا يعطيهم من وقته ولا حتى دقائق معدودة، إما لانشغاله وإما لأسباب أخرى.
ولعل البعض منكم سيستغرب لو ذكرت أن بعض الدراسات الإحصائية قد أثبتت أن أكثر المرضى لا يتضايقون حين يبدي طبيبهم المعالج في لحظة من اللحظات عدم معرفته بأمر من الأمور المتعلقة بحالتهم الصحية، أو أنه قرر الاستعانة بغيره ممن هو أكثر علماً أو تخصصاً في جزئية ما من حالتهم، بل حتى لو هو وقع في خطأ ما، طالما أنه كان منذ البدء واضحاً معهم وعلى علاقة إيجابية معهم، في حين أنهم سينقضون على ذلك الطبيب المتعالي غير المنصت، لو هو وقع ولو في عثرة بسيطة، ناهيك عن أن يقع في خطأ فادح، فحينها سيفتكون به فتكاً!
الإنصات الجيد من أهم المفاتيح التي تفتح مغاليق النفوس، وتكسر الحواجز بين الناس، وتقربهم من بعضهم، وكل من حاز هذه المهارة يدرك هذا جيداً، ويعرف أثره البالغ في حياته، ولهذا فستظل النصيحة الغالية والصالحة في كل مكان وزمان لكل إنسان في أي موقع كان، هي التي جعل لها صديقي محمد النغيمش كتاباً كاملا يتحدث عنها، وهي: 'أنصت يحبك الناس'!
                       ................................................
البرودكاست فتن كقطع الليل المظلمة!
........................................
استفحل مرض الرسائل الجماعية، أو ما صار يعرف بكلمة «برودكاست»، وصار من المألوف، بل الغالب، أن يقوم الشخص بإعادة إرسال كل ما يصله من رسائل، بغض النظر عن محتواها، إلى جميع من توجد أرقامهم في هاتفه النقال أو جهاز كمبيوتره المحمول.

اليوم، ومع إتاحة هذا الكم المهول من وسائل التراسل والتواصل الإلكترونية، التي صار كثير منها بالمجان، لتنتشر إلى حد الابتذال في أيدي جميع الناس على مختلف مستوياتهم التعليمية والثقافية، استفحل مرض الرسائل الجماعية، أو ما صار يعرف بكلمة 'برودكاست'، وصار من المألوف، بل الغالب، أن يقوم الشخص بإعادة إرسال كل ما يصله من رسائل، بغض النظر عن محتواها، إلى جميع من توجد أرقامهم في هاتفه النقال أو جهاز كمبيوتره المحمول.
صار الجميع، ومع هذه التقنيات الجبارة، أشبه ما يكونون بمراسلين صحفيين طوال يومهم وليلتهم، فتراهم لا يتوقفون عن إعادة إرسال الأخبار والطرائف والأشعار والمقولات والمقالات، وغيرها، إلى كل من يعرفونهم ولا يعرفونهم، وإلى هنا ولا مشكلة كبيرة في الأمر، ولكن مكمن الخطورة أن هذه الرسائل تحتوي، ويكاد يكون ذلك غالبها الأغلب، على كم هائل من الإشاعات والأكاذيب والمعلومات المغلوطة والترهات والإساءات، ولكم أن تتخيلوا ما يحصل بعدها!
في السابق كانت الإشاعة أو الكذبة أو المعلومة الخاطئة، بحاجة إلى أيام وربما أسابيع طويلة، حتى تنتشر ولعلها تموت قبل ذلك، في حين أنها صارت اليوم تبلغ الآفاق بلمح البصر، وتتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، بل تلف الكرة الأرضية بأسرها خلال أجزاء من الثانية، لترى كيف أن رسالة مكونة من مئات الكلمات والصور وربما مقاطع الصوت والفيديو، يمكن لها أن تنطلق من الكويت فتأتيك من أميركا أو بريطانيا أو أستراليا خلال دقائق، من شخص بعيد كل البعد عمن قام بإرسالها في البداية!
نعم، إن المسألة بهذه الخطورة وأكثر، كما أن هذا المرض سريع الانتشار، ومضاره غير المباشرة أكبر وأكثر بكثير من مضاره المباشرة، ولعلنا في مجتمعنا الصغير صرنا نلمس، وبشكل مستمر آثار هذا المرض، وصرنا نشاهد، وبشكل يكاد يكون يومياً، كيف تنتشر التصريحات البغيضة والإشاعات والأكاذيب، وتتدحرج الفتن ككرات الثلج من كل اتجاه وفي كل اتجاه، لتبقي واقعنا السياسي والاجتماعي متوتراً محتقناً طوال الوقت.
بطبيعة الحال، لا يمكن إيقاف هذه التقنيات المتزايدة والآخذة في الانتشار، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من الأشكال، وكل من سيحاول أن يقوم بذلك، أو حتى يحاول التفكير في ذلك، سيهدر وقته وجهده وماله، دون طائل.
ولا علاج لهذا المرض، وهو الذي صارت تعانيه أغلب المجتمعات ممن أتيحت بيد أفرادها هذه التقنيات، سوى على مستواه التثقيفي التوعوي، انطلاقا من الفرد نفسه، حتى يتوقف عن إعادة إرسال هذه الرسائل التي تصله سواء عبر الإنترنت أو الإيميل أو الهاتف النقال، وهو غير متأكد من محتواها وغير واثق مما فيها، كائنا ما كانت هذه المحتويات من أخبار سياسية أو اقتصادية أو أخبار اجتماعية أو نصائح طبية أو غيرها، فكفى إثما بالمرء أن يحدث بكل ما سمع، وبعد ذلك مروراً بكل دوائر التأثير التي يستطيع الوصول إليها وإرشادها وتعليمها ونصحها، فيبدأ مع أسرته في بيته، وفي دائرة أقربائه، وزملائه، وهكذا.
كذلك يمكن أن يكون التوجيه والتوعية من خلال حملات مجتمعية يمكن أن تقوم بها المؤسسات والجهات المرتبطة والمهتمة بهذا الشأن، كشركات الاتصالات نفسها وذلك من خلال برامج المسؤولية المجتمعية التابعة لها، والمؤسسات التربوية والتعليمية، والأجهزة الإعلامية الرسمية وغيرها، وهكذا. وهذا المقال ما هو إلا محاولة بسيطة مني، من موقعي هذا، لقرع جرس التنبيه لهذه المشكلة الخطيرة، على أمل أن يتفاعل معها من سيصله المقال، كل من موقعه، لعمل شيء ما، فليس أحد منا في مأمن من هذا الخطر الداهم.
                                      .........................................................................
لا يتواضع إلا كبير ولا يتكبر إلا حقير!
...................................................
لا أكاد أصدق أحيانا ذلك الكم من التواضع الذي لمسته مرات عديدة من أناس بالغي الثراء ولهم من المكانة المجتمعية ما لهم، ولا أكاد أستوعب في المقابل، ذلك الكم الفاحش من الغطرسة والتعالي الذي أراه وقد انعكس على تصرفات وأسلوب البعض من محدثي النعمة.

دخولي إلى عالم الكتابة الصحفية، ودائرة الإعلام، وكذلك إلى معترك النشاط السياسي، مكنني من الالتقاء بالكثير من الناس على مختلف المستويات، والاحتكاك بمعادنهم والتعرف عليهم عن كثب حين اقتربت منهم في مواقف كشفت لي بعدهم الإنساني، الخالي من تلك الطبقة المصطنعة، التي عادة ما يحيط بها الإنسان نفسه، شعورياً أو لا شعورياً، عند الظهور في وسائل الإعلام! كثير جداً ما يستحق الحديث عنه على هذا الصعيد، والذي من كثرته قد يستحق كتاباً، لا مقالاً واحد، إلا أن الشيء الذي لطالما لامس نفسي أكثر من غيره هو ملاحظتي أن التواضع وعدم التعالي على الآخرين، يكاد يكون سمة لازمة لمن هم من أهل المال والخير والمقام المجتمعي العالي، ممن ورثوه أباً عن جد، في حين أن التكبر والتعالي والتغطرس، تكاد تلازم محدثي النعمة! بالطبع، لكل قاعدة شواذ كما يقال، ولذلك فهناك من هم ليسوا ممن وصفت من الفئتين، أعني من أهل الخير والمقام ممن ورثوه أباً عن جد، وكذلك من محدثي النعمة، ولكن هذا الشذوذ هو نفسه الذي يثبت القاعدة، حيث إنه يكشف الصورة السائدة، ولا أشك أنه يوجد تفسير سوسيولوجي / سيكلوجي للمسألة، ولكنني أظن وبشكل مبسط، أن من عاش طوال حياته في ظل الخير والنعمة والاستقرار في هذا الجانب، لم يرتبط في وجدانه أن قيمته كفرد في مجتمعه رهينة بهذا، وأن لمجرد امتلاكه لهذا الثراء ولهذا المقام أو الاسم، صار من حقه التعالي والتكبر على الناس، بل هو يتصرف على سجيته، في حين أن محدث النعمة والجديد على عالم الثروة، وبعدما تجري النعمة في يده في لحظة من الزمن، وتنتقل حالته المادية من مستوى إلى آخر، تظل هذه المفارقة الطبقية غائرة متجذرة في نفسه، فيظل يصارعها وتصارعه، ولا يجد وسيلة للتغلب عليها إلا بارتداء ثوب التعالي والتكبر والطاووسية، ليظهر ذلك بشكل فاحش مبتذل على تصرفاته مع الناس من حوله. لا أكاد أصدق أحيانا ذلك الكم من التواضع الذي لمسته مرات عديدة من أناس بالغي الثراء ولهم من المكانة المجتمعية ما لهم، وهم من لن أذكر اسم أحد منهم حتى لا يكون في الأمر شبهة تزلف، وحتى لا يكون هناك أيضا أي قدر من حرج عليهم، ولا أكاد أستوعب في المقابل، ذلك الكم الفاحش من الغطرسة والتعالي الذي أراه وقد انعكس على تصرفات وأسلوب البعض من محدثي النعمة ممن أعرف، لمجرد أن الله قد أنعم عليهم ببعض المال، لحكمة هو أعلم بها! لكن، وهذا من السنن الجارية بين الناس، فلا شيء يجعلك تجل الإنسان وتحترمه مثل كرم أخلاقه، وعلى رأس الأخلاق: التواضع والسماحة واللين، ولا شيء يجعلك تحتقره، بل تكرهه، مثل تكبره وصلفه وثقل نفسه على عباد الله، وفي هذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الترمذي: 'يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم'! نسأل الله السلامة.
                                    .................................................................
بحثاً عن قلم!
...............
تجربة الكتابة بالقلم بالنسبة لي هذه الأيام، ليست شيئا سهلا، بل هي تجربة مرهقة مؤلمة، بعيدة كل البعد عن سهولة ومرونة الطباعة على لوحة المفاتيح، وهي التي برعت فيها كثيرا بعدما مارستها سنوات طويلة، لكنني مع ذلك لن أستسلم.
أحاول منذ أيام العودة إلى الكتابة بالقلم بشكل منتظم، وذلك بعدما اضطررت لاستخدامه في كتابة مقال منذ فترة فاكتشفت أن دفق أفكاري يسيل بشكل أسرع وأكثر انسيابية منه عندما أستخدم الكمبيوتر.
أقول هذا، وإن كنت بالطبع لاأزال مؤمنا بأن المسألة غير خاضعة لقاعدة ثابتة، فهناك من قد لا يقدح زناد أفكاره إلا بالقلم والورقة، وربما بقلم معين وورق بلون محدد في مكان بعينه، وهناك غيره من قد لا يستسيغ إلا لوحة المفاتيح ووهج شاشة الكمبيوتر أمام ناظريه، وهناك غيرهما من قد يكون الأمر عنده سيان، لأن الأصل في المسألة برمتها عنده الفكرة المشتعلة في تلافيف روحه، لا وسيلة إخراجها إلى النور، إذن فالمسألة، كما أسلفت، بلا قاعدة ثابتة ولا معيار جامدا، وأن لكل كاتب طريقته التي يكتب وفقها، لتخرج كوامن صدره إلى العلن في الحلة التي يرضاها.
أعود إلى قصتي والقلم، لأقول إنه على الرغم من استمتاعي الكبير بالعودة لاستخدامه، وإن كنت لا أجزم أيضا بأني لن أتركه في وقت من الأوقات لأعود لاحتضان لوحة المفاتيح واستقبال الشاشة المضيئة كما كنت سابقا، فإنني أواجه مشكلة معه، أو هما في الحقيقة مشكلتان.
المشكلة الأولى، هي أن خطي يبدأ مقروءا جميلا مرتبا مع السطور الأولى للكتابة ومع بدء تشكل ملامح المكتوب، ليستحيل بعد قليل إلى خربشات ونقوش أشبه ما تكون بآثار خطو دجاجات سارحات في فلاة، فيصبح المكتوب طلاسم، لا أتمكن حتى أنا من فكها لاحقا لطباعتها إلا بجهد جهيد. وأما المشكلة الثانية، فهي أن الألم يشتد بأصابعي وساعدي مع سيل الكتابة، لأن شدة قبضي على عنق القلم المسكين تزداد مع تسارع دفق الأفكار، وكأني أحاول شد وثاقها بين أصابعي كي لا تفلت مني، أو كأني أسابقها على صهوة القلم في مضمار الورقة، خوفا من أن تتيه فتضيع في زحام عشرات الأفكار المتسابقة للخروج من صدري حينها!
تجربة الكتابة بالقلم بالنسبة لي هذه الأيام، ليست شيئا سهلا، بل هي تجربة مرهقة مؤلمة، بعيدة كل البعد عن سهولة ومرونة الطباعة على لوحة المفاتيح، وهي التي برعت فيها كثيرا بعدما مارستها سنوات طويلة، لكنني مع ذلك لن أستسلم، خصوصا بعدما حظيت بهدية من صديق عزيز، هي مجموعة من الأوراق الخفيفة اللطيفة، والصالحة للكتابة والرسم والشخبطة بكل أنواعها، وربما لتغليف الهدايا الصغيرة أيضا!
ما ينقصني الآن هو أقلام من نوع جيد، أقلام خفيفة تندفع بسهولة على الأوراق، لينة لا تؤلم الأنامل، ذات سنان راسخ الخط متدفق الحبر، وفوق ذلك أن تكون رخيصة الثمن متوافرة في الأسواق، لأن الأقلام تضيع مني بوتيرة أسرع بكثير من ضياع الأفكار نفسها... فهل سأجد المطلوب يا ترى؟!
                                        ........................................................
إنه الموت يا سادة!
..........................
في كل مرة أتلقى فيها خبر موت إنسان أشعر وكأن الهواء ينشفط من حولي، وكأن الزفير يحتبس في صدري، وفي كل مرة أذهب فيها معزيا لأحد، لا أستطيع إلا أن أجلس صامتاً مطرقاً منكفئاً على أفكاري، متذكراً حالي ومعدداً خطاياي، غير آمن على نفسي أن يكون اسمي هو القادم على لائحة الموتى، ليقيني بأن ليس أحد منا في مأمن من سهم المنايا.
بالرغم من كل حرارة وصدمة خبر الموت، إلا أن ما يثير الاستغراب دوما هو تلك السرعة التي يتجاوزه بها الناس، ولا أعني هنا أن الناس لا يظلون أسرى لذكرى ميت اختاره الله فليس هذا من ديننا بشيء، وإنما المقصود هو أن الناس سرعان ما تتجاوز الاعتبار من هذا الحدث الجليل المهيب بدلالاته والثقيل على النفس بوطأته.
منذ مدة كنت في المقبرة لحضور جنازة أحد الأحبة، وبينما كنا وقوفا في المصلى بانتظار مقدم الجنازة للصلاة عليها، وجدت الناس وقد انشغل أغلبهم في شتى الأحاديث الجانبية، وكأنهم في سوق أو ديوانية!
يومها كان يقف بجانبي النائب الفاضل د. جمعان الحربش بهدوئه ووقاره المعروفين، وإذا بأحد الأشخاص وبعد أن سلم عليه، يشرع في فتح حديث معه عن موضوع ما، فما كان من الحربش إلا أن قال له وهو يومئ برأسه 'بعدين، بعدين'، ليفهمها الرجل ويسكت.
كثير من الناس اليوم فقدوا الإحساس بمهابة الموت وعبره ومعانيه، وصار الواحد منهم لا يتورع عن الانخراط في الحديث الباسم، بل الضاحك أحيانا، حتى وهو في مجلس العزاء، فضلا عن عدم التورع عن الحديث بالهاتف النقال، دون قطرة من وجل أو خجل، ودون أدنى مراعاة لمشاعر أهل الميت الذي يفترض أنه قد جاء.
وها نحن نشهد كل يوم رحيل شخص من معارفنا أو أقربائنا أو أصدقائنا أو أحبتنا بلمح من بصر، ولا اعتبار هنا لصغير أو كبير، أو لصحيح أو عليل، أو لغني أو فقير، فالموت يختال بيننا يقبض الأرواح بلا هوادة، تسوقه حكمة تفوق إدراكنا نحن الضعفاء.
إنه الموت يا سادة، وليس منا من هو في مأمن، فاعتبروا يا أولي الألباب!
                               ...................................................................
كم قطة مربوطة في حياتك؟
......................................
تروي الكاتبة الأميركية إليزابيث جيلبرت، في روايتها الشهيرة “صلاة.. طعام.. حب”، وهي الرواية التي صدرت في العام 2006، ومن ثم ترجمت إلى أغلب لغات العالم، وكذلك تم تحويلها إلى فيلم هوليوودي حاز شهرة كبيرة أيضا، أن جماعة من الهنود يتداولون في موروثهم القديم، قصة معبرة عن معلم عظيم كان محاطاً دوماً في معتزله بالأتباع المخلصين.

وكان هؤلاء الأتباع يقضون معه ساعات طويلة في التأمل والصلاة كل يوم. ولكن كانت ثمة مشكلة وحيدة تصادفهم، فقد كان لدى ذلك المعلم قطة صغيرة مزعجة، لا تفتأ تتجول في المكان الذي يعتكفون فيه، وهي تموء مفسدة على الجميع خلواتهم النفسية وانشغالهم بالتأمل والصلاة. فأمر ذلك المعلم العظيم، مستنداً إلى حكمته العملية البالغة، أن تقيد تلك القطة الصغيرة إلى عمود في الخارج لبضع ساعات في اليوم، وذلك أثناء جلسات التأمل والصلاة فقط، كي لا تزعج أحداً من المعتكفين.

مع مضي الوقت، تحول الأمر إلى عادة، فصار كلما حان وقت جلسات التأمل والصلاة، لا بد أن يتم تقييد القطة إلى العمود في الخارج. ومع مرور السنوات، تحجرت هذه العادة، وتحولت إلى ما يشبه الطقس الديني، ولم يعد بإمكان أحد منهم أن يعتكف ليتأمل ويصلي، من دون أن يربط القطة إلى العمود أولاً.

في يوم من الأيام، ماتت القطة، فأصيب الأتباع بالذعر، وعانوا أزمة خطيرة. كيف لهم الاعتكاف الآن؟ وكيف لهم أن يمارسوا تأملهم وصلاتهم من دون قطة يربطونها إلى العمود؟ كيف سيصلون الآن؟ لقد أصبحت القطة في عقولهم هي الوسيلة التي لا يمكن الوصول من دونها، بعدما نسوا، أو تناسوا، أن معلمهم كان يربطها لمجرد التخلص من إزعاجها أثناء جلسات التأمل والصلاة، لا أكثر!

ذكرتني هذه القصة الأسطورية عميقة الدلالات، بالتجربة العلمية الشهيرة حول أولئك القرود الخمسة، والتي يظهر فيها كيف صارت هذه القرود تشارك جميعا في ضرب كل قرد جديد يقوم الباحثون بإدخاله إلى القفص، من دون أن يعرفوا لماذا يضربونه أصلاً. وكذلك ذكرتني بقصة تلك الزوجة الجديدة، التي كانت تحرص على قص ذيل السمكة قبل أن تقوم بقليها وتقديمها لزوجها، لمجرد أنها شاهدت جدتها تفعل ذلك، وحين سُئِلت الجدة عن سبب قص ذيل السمكة، جاءت الإجابة بأنها كانت تقص ذيلها لأن مقلاتها في ذلك الوقت كانت صغيرة ولا تتسع لكل السمكة!

لهذه القصص الرمزية، الكثير مما يقابلها في حياة الناس اليوم، سواء على الصعيد الديني، أو على مستوى الحياة والعمل بشكل عام. فكم من الطقوس الدينية التي يأتي بها كثير من الناس من حولنا، ويحرصون على التمسك بها وتأديتها دائما، بل يرون أن عباداتهم لا تستقيم من دونها، وهي في واقع الأمر ليست من الدين في شيء، بل حسبها أنها عادات جاء بها أحد ما في زمن من الأزمان، فسارت وترسخت بينهم جيلاً بعد جيل حتى اختلطت بالدين، وصاروا يحسبونها منه، وهو منها بريء!

وكذلك، كم من الممارسات الإدارية البيروقراطية في بيئات العمل المختلفة، والتي يدرج الموظفون على القيام بها، دون السؤال عن أصلها وهدفها، لمجرد أنهم وجدوا الجميع يمارسونها كذلك منذ لحظة توظيفهم الأولى، حتى تصبح جزءا صميما من إجراءات العمل، لا يستقيم العمل في ظنهم من دونها.

وكذلك على مستوى الإنسان شخصياً، كم من الأمور التي يعتاد المرء القيام بها، حتى تصير جزءاً متأصلا من تفاصيل حياته، دون أن يتوقف ولو للحظة واحدة ليفكر فيها، ويتفكر في فائدتها وقيمتها، ناهيك عن هل ستكون حاله أفضل لو هو تخلص منها ربما!

القطط التي يربطها الناس إلى الأعمدة في حياتهم اليوم، كثيرة.. مربوطة في كل جانب من جوانب هذه الحياة. والواقع أن أغلب الناس يمضي في معيشته دون حتى أن يكلف خاطره بالتساؤل؛ لماذا هي مربوطة يا ترى؟! يجترونها ويكررونها، بل ويدافعون عن وجودها.

فهل تراك من هؤلاء الناس؟ أم أنك من أولئك النادرين جدا، الذين تمردوا على ذلك، وصاروا يتوقفون بين فترة وأخرى في مسيرة حياتهم، باحثين عن هذه القطط المربوطة إلى الأعمدة حتى يطلقوا سراحها؟
                                  .......................................................................
كي يروق مزاجك !
......................
تخيل معي، لو أن شخصا جلس أمامك في أحد الصباحات الجميلة وأنت في حالة مزاجية جيدة، فأخذ يحدثك باستفزاز وهو يتقصد أن يذكر لك قوائم السلبيات والنقائص والإخفاقات والإحباطات والمشاكل والمعوقات التي في حياتك، واستمر بذلك بلا توقف لفترة من الزمن، فهل تراه سيكون قادراً على إفساد مزاجك؟!
تظهر مشاهداتي وتجربتي الذاتية أنه في الأغلب والأعم من الحالات، سيتمكن من ذلك بسهولة، وسيجد الواحد منّا بعدها نفسه وقد وقع فريسة لتلك الكلمات السلبية المحبطة المثبطة وانقلب مزاجه رأساً على عقب ليفقد الرغبة مباشرة في العمل والتواصل وربما فعل أي شيء!
هذه الحقيقة المشاهدة، والتي لم أر عكسها إلا نادراً وفي حالات استثنائية، تثبت أن الإنسان كائن “مزاجي” رغماً عن أنفه، وأن مزاجه هو المتحكم بأفعاله في الأغلب، فإن راق المزاج راقت الأفعال وإن تعكر المزاج تعكرت الأفعال، ولهذا السبب كان مزاج الإنسان هو من أغلى ما يملك لأنه المهيمن على سائر تصرفاته وأفعاله وأقواله.
وقد كتبت يوما في “تويتر” بأن مزاجك هو أغلى ما تملك، فاجعله مرتفعاً، لتقرأ ولتكتب ولتعمل ولتتفاعل بإيجابية، ولهذا لا تعطي أي مخلوق فرصة لتعكيره. وحين أقول “مخلوق” هنا فلا أعني فقط مجموعة الأشخاص من حولك إنما كل شيء، بما فيها المواقف والظروف وحتى الأفكار الداخلية التي تطن في أذن الإنسان طوال الوقت إيجاباً وسلباً في الأغلب وفق ما تشير إليه الدراسات السلوكية.
حين يكون الإنسان في مزاج رائق فلا يعني ذلك أن حياته قد خلت من المنغصات أو أن كل التحديات التي تواجهه قد تلاشت أو أن المعوقات التي لطالما اعترضت سبيله قد تحطمت، فلا توجد حياة وردية على هذه الشاكلة أبداً، وقصارى الأمر أن الإنسان في تلك اللحظة كان ينظر إلى الناحية الإيجابية من حياته، فيرى الجوانب المشرقة المضيئة ويبصر فيها ما يستحق السعادة والفرح واعتدال المزاج. لذلك فالإنسان في النظرية قادر على السيطرة على مزاجه، وبالتبعية السيطرة على طريقة تصرفاته وأفعاله وأقواله، لو تعلم كيف يفعل ذلك بشكل من الأشكال، ولو أدرك قبلها طبعاً وبشكل عميق أهمية اعتدال المزاج لكي تعتدل سائر أموره من بعدها.
عندما يدرك الإنسان أهمية اعتدال المزاج وروقانه، فإن من الذكاء والحكمة حينها، وكما أنه يجب أن يحرص على الابتعاد عن المنغصات المفسدة لروقان مزاجه، أن يحرص كذلك على البحث عن المغذيات المزاجية الإيجابية التي تجعل مزاجه طيباً رائقاً، والتي هي موجودة لرحمة الله بنا في أبسط الأشياء لو أننا كلفنا أنفسنا فقط أن نبحث عنها، موجودة في السلام على من نعرف ومن لا نعرف، موجودة في الابتسامة الصادقة في وجوه خلق الله. موجودة في الكلمة الطيبة نفشيها بيننا، موجودة في تشجيعنا لمن يحسن عملاً وشكره، موجودة في الهدية نتبادلها بيننا حتى لو لم تكن غالية الثمن وحتى لو كانت مجرد بطاقة ملونة تحمل بعضاً من عبارات المودة والتقدير، موجودة في رفقة الأخيار الطيبين والأنس بصحبتهم، موجودة في الهوايات المفيدة وقضاء الوقت بشكل مفيد للجسد والفكر والنفس. هي موجودة ومتاحة ومبذولة في أشياء كثيرة جداً من حولنا وغالباً بلا ثمن أو بأرخص الأثمان لو أننا أردنا حقاً أن نجدها.
تخيلوا معي مجددا لو أن شخصاً امتلك مناعة مزاجية عالية جداً، فكان قادرا بذلك على أن يقاوم كل المؤثرات السلبية التي تحيط به فلا هو يتأثر بها ولا هي تتمكن من النفاذ عبر قشرته الخارجية إلى عمق نفسه لتفسد مزاجه، كم سيكون رائقاً ورائعاً وجميلاً طوال الوقت، وكم سيكون منتجاً مقبلاً معطاءً أيضاً طوال الوقت. فليتنا نتعلم، ولو قليلاً، كيف نتحكم بمزاجاتنا وكيف نبرمجها إيجابياً وكيف نسيطر على انفعالاتنا، من خلال البعد عن مفسدات المزاج والبحث عن المغذيات الإيجابية التي تساعدنا على الحياة الجميلة.
أسعدكم الله جميعا يا سادتي، ورزقكم مزاجات جميلة رائقة.
                                      ..................................................
لنفسك عليك حقا.
.....................
في المشاهد الأولى من الفيلم الرائع (The Bucket List) يكتشف الميكانيكي كارتر تشامبرز أنه مصاب بالسرطان، وأن حظوظه من زمن الحياة المتبقية لن تتجاوز عدة أشهر أو عام بحسب أبعد تقدير طبي، ويصادف أن زميله في ذات الغرفة هو رجل الأعمال المليونير إدوارد كول مصاب بالسرطان كذلك، وليس له من العمر المتبقي إلا أشهر معدودة أيضا كما أخبره طبيبه المعالج، فتنشأ صداقة فريدة ما بين كارتر (مورغان فريمان) وإدوارد (جاك نيكلسون) وهما اللذان جمعتهما الظروف الغريبة في غرفة واحدة رغما عنهما، ولهذه الجزئية قصة لن أحرقها على من يود مشاهدة هذا الفيلم الإنساني البديع.
يعرض المليونير إدوارد على صديقه كارتر أن يقضيا الأشهر المتبقية من حياتهما في تنفيذ محتويات قائمة أعداها سويا أسمياها (The Bucket List)، أي قائمة الجردل، والمستوحى اسمها من التعبير الإنكليزي الشائع حين يقال إن فلاناً ركل الجردل أي أنه مات. وتضمنت القائمة أموراً منوعة، بعضها مغامر وبعضها ظريف وبعضها نبيل، كالقفز من الطائرة بالباراشوت، وقيادة سيارات سباق، والصعود إلى قمة الهيمالايا، وإدخال السرور على قلب إنسان، وتقبيل أجمل فتاة في العالم، وغيرها من الأمنيات.
أمام هذا العرض المفاجئ المدفوع التكاليف بالكامل من قبل صديقه المليونير يواجه كارتر سؤالا صعبا: هل أقضي الأشهر الأخيرة من حياتي في تنفيذ هذه الأمنيات أم بجوار زوجتي؟ وهي التي كانت رافضة تماما فكرة ابتعاده عنها وعن عائلته للقيام بهذه الأمور المجنونة خصوصا في الأيام المتبقية من عمره. سأتوقف هنا عن سرد أحداث الفيلم، وسأنتقل إلى طرح ذلك السؤال الذي واجهني كما واجه كارتر سؤاله الصعب: أين يمكننا أن نرسم الخط الفاصل ما بين حق الإنسان لنفسه، وما بين واجبه تجاه من هم حوله من أهل وأحبة وأصدقاء؟! قد يبدو هذا السؤال سهلا جدا للوهلة الأولى لبعضكم، خصوصا صغار السن أو أولئك الذين لم يواجهوا تحديات حياتية تضعهم في مواجهة مثل هذا السؤال، لكنه، وصدقوني حين أقول ذلك، ليس بالسؤال الهين أبدا عندما يمضي العمر بالمرء فيجد نفسه وقد كبر وقد تكاثفت مسؤولياته وتشابكت علائقه إلى حد الاختناق!
أغلب الناس في هذا الأمر على نوعين: إما أولئك الذين يقضون جُلّ أعمارهم يستنزفون أنفسهم وأرواحهم لمراعاة وخدمة الآخرين من حولهم، وإما أولئك الذين يعيشون أغلب وقتهم لإسعاد أنفسهم وتلبية رغباتهم الذاتية فحسب، فلا يكادون يكترثون بغيرهم، أما الذين يعرفون كيف يضبطون هذه المعادلة الدقيقة ما بين حق النفس والواجب تجاه الآخر فهم القلة القليلة.
صحيح أن نبينا العظيم عليه الصلاة والسلام علمنا أن “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها”، إلى آخر الحديث الذي يوضح مسؤولية الإنسان تجاه الآخرين، لكن ذلك لم يعن بأي شكل من الأشكال أن يكون الأمر على حساب النفس، فقد ورد في صحيح البخاري أيضا أن الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه قد قال: “إن لربك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، ولزورك –أي ضيفك– عليك حقّاً، فأعط كل ذي حق حقه”. وحين سمع النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قال: “صدق سلمان”، وهذا هو الذي يبين الكفة الثانية من ميزان معادلة حق النفس والآخرين، بل إن حق النفس قد جاء من بعد حق الله عز وجل مقدما على كل الحقوق الأخرى، وهذا هو السر في إدارة الحياة الناجحة، فحين لا يعتني الإنسان بصحته الجسدية والنفسية والفكرية، ولا يفرد لها الوقت والجهد الكافيين للحفاظ عليها ولاستعادة النشاط والتجديد، فإنه سرعان ما سيسقط أو لعله سينهار تماما تحت وطأة المسؤوليات والضغوط المتلاحقة، فلا هو أسعد نفسه حينها ولا هو أسعد غيره!
لا أتمنى أن يواجه الواحد منا لحظة أليمة كتلك اللحظة التي واجهها كارتر في الفيلم فاكتشف حينها أنه لم يعط نفسه عبر سنوات عمره حقها من الفرح، فقرر أن يلاحق ما فاته في اللحظات الأخيرة، ولكنني أتمنى، وهذه نصيحة أوجهها لنفسي أولا، أن ننتبه إلى أنفسنا في المقام الأول، وقبل فوات الأوان، حتى يمكننا من بعد ذلك أن نقوم بإعطاء كل ذي حق حقه ممن هم حولنا!
                                       ..........................................................................

هناك 6 تعليقات:

  1. تلك تجربة مثيرة فعلا ودراسة تستحق الأهتمام
    كم من الأشياء الجميلة التي نمر بها ولانتوقف امامها
    كأننا فعلا فقدنا الطفل داخلنا
    وفقدنا القدرة على الانبهار والاندهاش
    تحياتي لك

    ردحذف
    الردود
    1. يسعد صباحك اختي الكريمة
      نعم نفقد القدرة على الانبهار عندما نستسلم لمصاعب الحياة
      والرضوخ تحت ظروفها .
      دمت بالف خير وعافية

      حذف
  2. ختى الغاليه زهورى
    موضوعك كما عودتينا ثرى بالافكار والمواقف التى مررنا بها فى حياتنا من اول الموسيقى الشهير الذى عزف فى محطه المتروا فاولا من وجهه نظرى فاختياره المكان كان سببا خطا لان الانسان فى مرحله انتقاله من مكان الى اخر لايعى ما حوله وكل اهتمامه فى اللحاق بما هو ذاهب اليه اما الشطر الاخر وهى انصت يحبك الناس فهى حقيقه لامحاله وبالفعل الطبيب الذى ينصت للمريض يكون سببا فى شفائه اكثر من خمسين فى المائه اما الرسائل فهى تعتبر كارثه حديثه اصبنا بها فى هذا الزمن اما عن تعكير المزاج فممكن نجد اناس يعكروا مزاج امه باكملها ويكفى الواحد يستيقظ ويفتح بابه وهو وحظه تيجى من الجيران او اولاده او الاعلام والله المستعان على هذا الحال واشكرك صديقتى على هذا المجهود الذى تشكريه عليه ويجزيكى عنا جميعا كل الخير وادامك الله لنا موسوعه ثقافيه عاليه دائما

    ردحذف
  3. اهلا اختي الغالية هويدا
    حلو تعليقك ..الله يسعدك على الصبح

    صحيح في ناس تعكر المزاج بس تفتكريهم هه.. منهم لله .
    بس لازم تعملي حفره او خندق محكم لهم ولاخطائهم وتنسي مكانها ..

    يسعدني ويفرحني تفاعلك مع مختاراتي .
    يحفظك ربي وين ماكنتي

    ردحذف
  4. صباح الخير
    كلما اردت مطالعة نصوص جميلة هادفة اجدني هنا
    تحياتي

    ردحذف
  5. حياكي الله اختي الغالية
    وصفحاتي تحلو بوجودك الجميل

    ردحذف